التوحيد71
ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الأسمى الحسنى : من أحصاها دخل الجنة ؟
قد فسر ذلك بمعاني منها حفظها ودعاء الله بها والثناء عليها بجميعها . ومنها أن ما كان يسوغ الابتداء به كالرحيم والكريم فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصال بها فيما يليق به ، وما كان يختص به نفسه تعالى كالجبار والعظيم والمتكبر فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها ، وما كان فيه معنى الوعد كالغفور الشكور الرؤوف الحليم الجواد الكريم فيلتمس الطمع والرغبة منه ، وما كان فيه معنى الوعيد كعزيز ذي انتقام شديد العقاب سريع الحساب فيلتمس الخشية والرهبة ؛ ومنها شهود العبد آثارها حقها معرفة وعبودية مثال من شهد علو الله تعالى على خلقه وفوقيته عليهم واستواءه على عرشه بائنًا من خلفه مع إحاطته بهم علماً وقدرة وغير ذلك وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير قلبه صعداً يعرج إليه مناجياً له مطرقاً واقفاً بين يديه ووقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز فيشعر بأن كلمه وعمله إليه معروض عليه فيستحيي أن يصعد إليه من كلمه وعمله ما يخزيه ويفضح هنالك ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العالم كل وقت وأنواع التدبير والتصرف من الإحياء والإماتة والإعزاز والإذلال والرفع والخفض والعطاء والمنع وكشف البلاء ومداولة الأيام بين الناس إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه مراسيمه نافذة فيها يشاء كما يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون [السجدة : 5] فمن في المشهد حقه معرفة وعبودية فقد استغنى بربه وكفاه ، وكذلك من شهد علمه المحيط وسمعه وبصره وحياته وقيوميته وغير ذلك لم يرزق هذا المشهد السابقون المقربون .